المقريزي

68

إمتاع الأسماع

لو كان أمر من أمر الدنيا أشرت عليك فيه ، وجهدت لك ، فقال له الأسقف : تنح فاجلس ، فتنحى شرحبيل فجلس ناحية . فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له : عبد الله بن شرحبيل وهو من ذي أصبح من حمير ، فأقرأه الكتاب ، وسأله عن الرأي فيه ، فقال مثل قول شرحبيل وعبد الله ، فأمره الأسقف فتنحى ، فجلس ناحية . فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس ، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه ، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله ، فأمره الأسقف فتنحى ، فجلس ناحية . فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جمعا أمر الأسقف بالناقوس فضرب به ، ورفعت المسوح في الصوامع ، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار ، وإذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع ، فاجتمع حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح أهل الوادي أعلاه وأسفله ، وطول الوادي يوم للراكب السريع وفيه ثلاث وسبعون قرية ومائة وعشرون ألف مقاتل ، فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأي فيه ، فاجتمع رأي أهل الوادي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني ، وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي ، وجبار بن فيض الحارثي ، فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ، ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة ، وخواتيم الذهب ، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلموا عليه ، فلم يرد عليهم السلام ، وتصدوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب ، فانطلقوا يبتغون عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله تبارك وتعالى عنهما - وكانا معرفة لهم ، كانا يجدعان العتائر إلى نجران في الجاهلية فيشتري لهما من بزها وتمرها وذرتها ، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس فقالوا : يا عثمان ويا عبد الرحمن ! إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له ، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا ، وتصدينا لكلامه نهارا طويلا ، فأعيانا أن يكلمنا ، فما الرأي منكما ؟ أنعود أم نرجع ؟ فقالا لعلي بن أبي طالب - رضي الله تبارك وتعالى عنه وهو في القوم - : ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ فقال علي لعثمان ولعبد الرحمن : أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ، ويلبسوا ثياب سفرهم ، ثم يعودون إليه ففعل وفد نجران ذلك فوضعوا حللهم